حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

177

التمييز

يعيش به ، قال : فإن عدمه ، قال : أدب يتحلّى به ، قال : فإن لم يكن ، قال : فمال يستره ، قال فإن عدمه ، قال : صاعقة تحرقه وتريح منه العباد والبلاد ، وقد يجد البليغ من ألم السكوت ما يجد العيّي من ألم الكلام . وذكروا عند الأحنف « 1 » الصمت والكلام ، فقال : الكلام أفضل لأنّ الصّمت لا يعدو وصاحبه والكلام ينتفع به من سمعه ، وإذا كان العبد ناطقا فيما يعنيه ، / 72 ب / ولا بدّ منه فهو في حدّ الصمت ، وما أبلغ حسن البيان في تسخير القلوب وقبولها له ورغبتها فيه وتأثرها منه وميلها إليه وانبساطها عليه ، ويقال للكلام الفصيح البليغ السحر الحلال . وليس الكلام كلّه أفضل من الصمت كلّه ولا الصمت كلّه أفضل من الكلام كلّه ، بل قد علمنا أنّ عامّة الكلام أفضل من عامّة السكوت ، وكيف يكون الصمت أنفع والإيثار له أرفع ، ونفعه لا يكاد يجوز رأس صاحبه ، ونفع الكلام يعمّ ويخص . والرّواة تروي كلام الناطقين كما روت سكوت الصّامتين ، وتمدح الصمت بالمنطق ولا تمدح المنطق بالصمت ، وما عبّر عن الشيء أفضل منه ، وإنّما نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن المراء وعن التكلّف والتّزين وكلّ ما ضارع الرّياء والسّمعة وعن التّهاتر والتشاغب وعن المغالبة « 2 » والمماتنة « 3 » والبذخ . وأمّا نفس البيان كيف وإنّ كلام ربّنا بيان للنّاس ، وقد أضاف اللّه تعالى البيان إلى تعليمه فقال عز وجلّ : الرَّحْمنُ ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ ، خَلَقَ الْإِنْسانَ ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ « 4 » .

--> ( 1 ) سبقت ترجمته . ( 2 ) جاءت في داماد إبراهيم 945 : المبالغة . ( 3 ) المماتنة : المباعدة في الغاية ، لسان العرب ( مادة : متن ) . ( 4 ) سورة الرحمن : آية ( 1 - 4 ) .